وقد لا يقف نقص المياه عائقا أمام انتشار الاستحمام المتكرر. إذ أشارت دراسة إلى أن سكان المناطق الفقيرة في ليلونغوي عاصمة مالاوي، يغتسلون
بالدلاء مرتين أو ثلاثة يوميا رغم تكرار انقطاع المياه.
ويغتسل الكثيرون في غينيا والفلبين وكولومبيا وأستراليا وغيرها مرات عديدة يوميا، ولا ترتبط هذه العادة بالطقس الحار فقط، فإن بعض البرازيليين يتحممون مرات عدة في الشتاء.
لكن هل هناك فوائد صحية للاغتسال اليومي، وهل يفضل الاغتسال صباحا أو مساء؟ يقول بعض الخبراء إن الاستحمام المتكرر بالماء الدافي يسبب جفاف الجلد والشعر، ولهذا اتجهت الكثيرات الآن إلى غسل شعورهن مرة واحدة أو مرتين على الأكثر أسبوعيا.
وبينما يجزم البعض بأن الاستحمام صباحا ينشط الذهن، فإن آخرين ينصحون بالاستحمام في المساء، كما هو شائع في اليابان، لأنه يساعد في إرخاء العضلات قبل الإيواء إلى الفراش.
ولا شك أن عادات الاستحمام تختلف من شخص لآخر في كل بلد، وتشير الأدلة التاريخية إلى أن عادات النظافة الشخصية قد تتغير في أي وقت لمسايرة التطورات الثقافية والتكنولوجية.
وربما في المستقبل، يدفع الحرص على البيئة الغربيين إلى الاغتسال مرة واحدة أسبوعيا، أو استخدام الدلاء والآواني بدلا من رشاش الاستحمام التقليدي. أو ربما يختار بعضهم تركيب خراطيم مياه بجوا
وتقول فالشاني: "أتمنى أن يختفي مفهوم `يانته لوغين`، لأنني أعتقد أن ذلك سيفيد كثيرا كل من يعيشون هنا. إذا كان بمقدورنا الحديث عن المال فسيصبح مجتمعنا أكثر انفتاحا بقدر كبير. إنها لفكرة رائعة أن يكون الجميع متساويين. لكن هذا لا يؤتي ثماره، فإذا كنت تعمل بشكل أكثر جدية من الآخرين، فمن الواجب عليك أن تفخر بذلك".
ويعزو أساتذة جامعيون في النرويج رد الفعل العكسي من قبل الشبان حيال الـ"يانته لوغين"، إلى صعود نجم وسائل التواصل الاجتماعي.
ويقولون إن التدوين سواء بالكتابة أو بمقاطع الفيديو - بصفة خاصة - يدعم ضربا من "النزعة الفردية الجامحة"، التي تشجع المرء على السعي للتفرد عن الآخرين. وقد كانت هذه النزعة - حتى وقت قريب - أقل انتشارا في دول الشمال الأوروبي، منها في دول الغرب الأخرى، خاصة الولايات المتحدة.
ويضيف الباحثون أن "هناك عددا متزايدا من الناس يستخدمون هذا المصطلح (مفهوم الـ `يانته لوغين`) باعتباره مسبة، خاصة وأن الكثير من الشبان يقولون صراحة إنهم يكرهون هذه العقلية".
ر مقاعد المراحيض بعد إشادة الناس من الدول الأخرى بفوائد التنظيف بالمياه بعد قضاء الحاجة.
إن عادات النظافة الشخصية لا تكتسب بالخبرة والتجربة كما يظن البعض، بل هي محصلة لمحاولات التكيف الاجتماعي. وقد تعلمنا كلنا من الآخرين كيفية استخدام حمامات الساونا أو رشاش المياه "الشطاف" لإزالة آثار البول والغائط أو الاستحمام أو حتى التعود على استخدام المرحاض.
أحدهم وهو في الثلاثين من العمر، ويشغل وظيفة بارزة في مجال التسويق قال لي: "لن أخبرك عما أكسبه؛ لأنني لا أرى سببا لفعل ذلك". الموقف نفسه تبناه شاب آخر، رد على سؤالي عن راتبه باقتضاب قائلا: " هذا أمر سري".
وتبرز النظرة التقليدية لهذين الشابين - وغيرهم من السويديين - كونهم ينعمون بما يُعرف بالديمقراطية الاجتماعية، أنه بالرغم من أنهم يدفعون ضرائب مرتفعة؛ فإن التفاوت في الدخول بينهم محدود بالمعايير الدولية.
ومع أن الواقع يعزز هذه الصورة النمطية؛ فإن الفجوة بين فقراء هذا البلد وأغنيائه تتسع باطراد منذ تسعينيات القرن الماضي، إلى حد يجعل دخل أغني 20 في المئة من مواطنيه يفوق ما يكسبه أفقر 20 في المئة منهم، بواقع أربع مرات.
وبينما يشكل الحصول على دخل مرتفع إشارة على نجاح المرء في الكثير من دول العالم، فإن لدى السويديين نفورا عميقا من الحديث عن دخولهم. لذا فشلت كل جهودنا تقريبا لترتيب مقابلات مع شبان سويديين أثرياء. فبعيدا عن ميكرفونات التسجيل، لم يكن هؤلاء يمانعون في الحديث عن منازلهم المتعددة أو يخوتهم الفاخرة وسياراتهم الفارهة، لكن الصمت كان يلفهم ما إن نشرع في تدوين ما يقولون.
أحدهم أرسل لي رسالة نصية، بدت تجسيدا للمشاعر التي تختلج في نفسه ونفوس كثيرين غيره، قال فيها "لدي شعور بأن ذلك الحديث عن الثروة والدخل سيكون بمثابة مباهاة وتفاخر، وهو ما لا أرتاح له للأسف".
وفي ضوء أن الحديث عن أمور مثل هذه، لا غضاضة فيه في بقاع أخرى في العالم، بدا غريبا أن لا نجد أحدا تقريبا في ستوكهولم يفخر بأنه ينعم بالثراء.
برأي لولا أكينمَيد ووكستروم، وهي كاتبة متخصصة في شؤون الثقافة السويدية تعيش في ستوكهولم منذ أكثر من عقد في الزمان، يشكل الحديث عن المال موضوعا "غير مريح لأقصى حد في السويد". بل إن التباهي بالثروة أو حتى مناقشة راتب متوسط مع شخص غريب، قد يشكل أحد المحرمات في المجتمع السويدي، لدرجة أن الكثير من أبنائه ربما سيكونون في هذه الحالة أكثر تقبلا وارتياحا "للحديث عن أمور مثل الجنس"، مقارنة باستعدادهم للخوض في نقاش بشأن الدخل المالي.
وتتفق مع هذه الرؤية الصحفية السويدية ستينا دولغرين (28 عاما)، التي عاشت لعدة سنوات في الولايات المتحدة. فبينما يشيد الأمريكيين بمن يفصح عن أنه يجني الكثير من المال ويشجعونه، يراه السويديون غريب الأطوار. ففي السويد "لا يسأل المرء عن الراتب أو عن المال".
ويتفق الكثير من الكُتّاب المتخصصين في مجال الثقافة على أنه يمكن تفسير جانب كبير من هالة الحظر المفروضة على الحديث عن الثروة والدخل في السويد، من خلال مفهوم ثقافي عميق الجذور يسود في ما يُعرف بدول شمال الكرة الأرضية، ويُطلق عليه اسم "يانته لوغين". ويشجع هذا المفهوم المرء على ألا يفكر أبدا في أنه أفضل من غيره.
وتقول أكينمَيد ووكستروم - التي تناولت ذلك المفهوم في أحد كتبها - إنه يشكل "قاعدة اجتماعية غير معلنة هنا في السويد وفي الكثير من دول الشمال الأوروبي. الأمر كله يتعلق بألا يكون المرء مبهرجا على نحو مفرط، وألا يتباهى دون ضرورة، وهو وسيلة لإبقاء الجميع - على الأغلب - متساويين، لتبديد مصادر الضغط والتوتر في المجتمع".
واستمد مفهوم "يانته لوغين" - الذي يعني بالسويدية "قانون يانته" - اسمه من مدينة تحترم القوانين وتحمل الاسم نفسه ظهرت في رواية للكاتب النرويجي الدنماركي أكسيل ساندموس عام 1933. لكن الدكتور ستيفن تروتر، وهو أكاديمي اسكتلندي نرويجي أعد مؤلفات عن هذا الموضوع خلال عمله في جامعة غلاسكو الأسكتلندية، يقول إن الروح التي يعبر عنها ذلك المفهوم موجودة في دول الشمال - خاصة في أريافها - منذ قرون.
ويعتبر تروتر أن "يانته لوغين" يمثل "آلية للضبط الاجتماعي، فهو لا يتعلق بالثروة وحدها، وإنما بألا تتظاهر بأنك تعلم ما لا تعرفه في الواقع، أو تتصرف على نحو يفوق وضعك وإمكانياتك".
ويضيف تروتر: "لن يشعر الناس في السويد بالدهشة إذا تحدثت عن كوخك في الغابة، أو عن أن لديك نظام تدفئة تحت أرضية بيتك. فهي أمور شائعة في دول الشمال، ولدى الكثيرين هنا منزل ثانٍ. لكنك غالبا ستتعرض للسخرية قليلا إذا قلت إنك ستنفق القدر نفسه من المال (الذي كرسته لشراء الكوخ أو لتثبيت نظام التدفئة) لاقتناء سيارتين من إنتاج شركة لامبورجيني".
وتقول أكينمَيد ووكستروم إنه بينما تكافح السويد للإبقاء على صورتها في العالم، كدولة تسودها ديمقراطية اجتماعية ولا توجد فيها فروق طبقية؛ فإن الكثير من السويديين لا يزالون يحرصون على أن يحيطوا أنفسهم بأُناس يماثلونهم في مستوى الدخل.
ويعني ذلك - برأي هذه الكاتبة - أن القواعد التي ينطوي عليها مفهوم "يانته لوغين"، يمكن أن تتبدل وتتغير بحسب المستوى الاقتصادي والاجتماعي لمن يحيطون بالإنسان، فالتباهي والتفاخر - مثلا - قد يكونان مقبوليْن بشكل أكبر، إذا حدثا وسط أشخاص ذوي خلفيات متشابهة.
وتضيف: "يشعر الأثرياء براحة أكبر وهم يجلسون خلف الأبواب المغلقة بصحبة من يماثلونهم في الوضع الاقتصادي والاجتماعي. فبوسعهم في هذه الحالة الحديث عما يمتلكونه من منازل صيفية أو سيارات، مع أي شخص آخر ينتمي لمستواهم نفسه".
ويتفق أندرياس كينسن (33 عاما) مع فكرة وجود ارتباط بين كيفية تطبيق مفهوم "يانته لوغين" والسياق الذي يجري فيه ذلك. إذ قال الشاب - الذي التقيناه في حي أوسترمالم خلال جولته على المتاجر الراقية هناك كما يفعل في عصر كل يوم - إنه لن يتردد في أن يخبر أصدقاءه بالرحلات التي يقوم بها إلى الخارج، ولن يحجم عن التفاخر بذلك على حسابيْه على إنستغرام أو فيسبوك، لكنه لن يفعل ذلك بالتأكيد إذا كان يتحدث مع غريب قابله للتو.
لكن مفهوم "يانته لوغين" بات يتعرض الآن لانتقادات متزايدة، من جانب عدد متنامٍ من الشبان السويديين الناجحين، الذين يطالبون بأن يتحدث أبناء مجتمعهم بشكل أكثر وضوحا، عن أمور مثل تحقيق النجاح ومراكمة الثروات.
من بين هؤلاء، نيكول فالشاني (22 عاما) التي بدأت منذ أن كانت مراهقة في كسب أموال مقابل التدوين على شبكة الإنترنت، وقد أصبحت الآن إحدى الشخصيات الشهيرة المؤثرة على الشبكة العنكبوتية، بعدد متابعين يبلغ 354 ألفا تقريبا على موقع إنستغرام.
فحينما التقينا هذه الفتاة، خلال جلسة تصوير كانت ترتدي فيها مجوهرات شبيهة بتلك التي ترتديها العروس في حفل زفافها، لم يرف لها جفن عندما سُئلت عن المقابل الذي تحصل عليه للمشاركة في الحملات الدعائية، وردت بالقول "نحو 20 ألف دولار في الحملة الدعائية الواحدة". وتنفق فالشاني أموالها في الأغلب، على السفر للخارج واقتناء حقائب غالية الثمن، كما سبق لها شراء شقة في وسط المدينة، وهي لم تتجاوز العشرين من العمر.
ويغتسل الكثيرون في غينيا والفلبين وكولومبيا وأستراليا وغيرها مرات عديدة يوميا، ولا ترتبط هذه العادة بالطقس الحار فقط، فإن بعض البرازيليين يتحممون مرات عدة في الشتاء.
لكن هل هناك فوائد صحية للاغتسال اليومي، وهل يفضل الاغتسال صباحا أو مساء؟ يقول بعض الخبراء إن الاستحمام المتكرر بالماء الدافي يسبب جفاف الجلد والشعر، ولهذا اتجهت الكثيرات الآن إلى غسل شعورهن مرة واحدة أو مرتين على الأكثر أسبوعيا.
وبينما يجزم البعض بأن الاستحمام صباحا ينشط الذهن، فإن آخرين ينصحون بالاستحمام في المساء، كما هو شائع في اليابان، لأنه يساعد في إرخاء العضلات قبل الإيواء إلى الفراش.
ولا شك أن عادات الاستحمام تختلف من شخص لآخر في كل بلد، وتشير الأدلة التاريخية إلى أن عادات النظافة الشخصية قد تتغير في أي وقت لمسايرة التطورات الثقافية والتكنولوجية.
وربما في المستقبل، يدفع الحرص على البيئة الغربيين إلى الاغتسال مرة واحدة أسبوعيا، أو استخدام الدلاء والآواني بدلا من رشاش الاستحمام التقليدي. أو ربما يختار بعضهم تركيب خراطيم مياه بجوا
وتقول فالشاني: "أتمنى أن يختفي مفهوم `يانته لوغين`، لأنني أعتقد أن ذلك سيفيد كثيرا كل من يعيشون هنا. إذا كان بمقدورنا الحديث عن المال فسيصبح مجتمعنا أكثر انفتاحا بقدر كبير. إنها لفكرة رائعة أن يكون الجميع متساويين. لكن هذا لا يؤتي ثماره، فإذا كنت تعمل بشكل أكثر جدية من الآخرين، فمن الواجب عليك أن تفخر بذلك".
ويعزو أساتذة جامعيون في النرويج رد الفعل العكسي من قبل الشبان حيال الـ"يانته لوغين"، إلى صعود نجم وسائل التواصل الاجتماعي.
ويقولون إن التدوين سواء بالكتابة أو بمقاطع الفيديو - بصفة خاصة - يدعم ضربا من "النزعة الفردية الجامحة"، التي تشجع المرء على السعي للتفرد عن الآخرين. وقد كانت هذه النزعة - حتى وقت قريب - أقل انتشارا في دول الشمال الأوروبي، منها في دول الغرب الأخرى، خاصة الولايات المتحدة.
ويضيف الباحثون أن "هناك عددا متزايدا من الناس يستخدمون هذا المصطلح (مفهوم الـ `يانته لوغين`) باعتباره مسبة، خاصة وأن الكثير من الشبان يقولون صراحة إنهم يكرهون هذه العقلية".
ر مقاعد المراحيض بعد إشادة الناس من الدول الأخرى بفوائد التنظيف بالمياه بعد قضاء الحاجة.
إن عادات النظافة الشخصية لا تكتسب بالخبرة والتجربة كما يظن البعض، بل هي محصلة لمحاولات التكيف الاجتماعي. وقد تعلمنا كلنا من الآخرين كيفية استخدام حمامات الساونا أو رشاش المياه "الشطاف" لإزالة آثار البول والغائط أو الاستحمام أو حتى التعود على استخدام المرحاض.
يعج حي أوسترمالم بكل ما يؤكد أنه
بالفعل الحي الأكثر ثراء في العاصمة السويدية ستوكهولم؛ إذ توجد يخوت خاصة
وحانات عائمة على شاطئ النهر ومتاجر تعرض منتجات غالية الثمن ومطاعم فاخرة،
فضلا عن بعض من أغلى العقارات في المدينة.
كما تغص المنطقة بأُناس
ذوي مظهر متأنق يحاولون الاستمتاع بشمس الخريف. لكن من المستحيل تقريبا أن
تجد منهم من يحدثك بارتياح عن ثروته. أحدهم وهو في الثلاثين من العمر، ويشغل وظيفة بارزة في مجال التسويق قال لي: "لن أخبرك عما أكسبه؛ لأنني لا أرى سببا لفعل ذلك". الموقف نفسه تبناه شاب آخر، رد على سؤالي عن راتبه باقتضاب قائلا: " هذا أمر سري".
وتبرز النظرة التقليدية لهذين الشابين - وغيرهم من السويديين - كونهم ينعمون بما يُعرف بالديمقراطية الاجتماعية، أنه بالرغم من أنهم يدفعون ضرائب مرتفعة؛ فإن التفاوت في الدخول بينهم محدود بالمعايير الدولية.
ومع أن الواقع يعزز هذه الصورة النمطية؛ فإن الفجوة بين فقراء هذا البلد وأغنيائه تتسع باطراد منذ تسعينيات القرن الماضي، إلى حد يجعل دخل أغني 20 في المئة من مواطنيه يفوق ما يكسبه أفقر 20 في المئة منهم، بواقع أربع مرات.
وبينما يشكل الحصول على دخل مرتفع إشارة على نجاح المرء في الكثير من دول العالم، فإن لدى السويديين نفورا عميقا من الحديث عن دخولهم. لذا فشلت كل جهودنا تقريبا لترتيب مقابلات مع شبان سويديين أثرياء. فبعيدا عن ميكرفونات التسجيل، لم يكن هؤلاء يمانعون في الحديث عن منازلهم المتعددة أو يخوتهم الفاخرة وسياراتهم الفارهة، لكن الصمت كان يلفهم ما إن نشرع في تدوين ما يقولون.
أحدهم أرسل لي رسالة نصية، بدت تجسيدا للمشاعر التي تختلج في نفسه ونفوس كثيرين غيره، قال فيها "لدي شعور بأن ذلك الحديث عن الثروة والدخل سيكون بمثابة مباهاة وتفاخر، وهو ما لا أرتاح له للأسف".
وفي ضوء أن الحديث عن أمور مثل هذه، لا غضاضة فيه في بقاع أخرى في العالم، بدا غريبا أن لا نجد أحدا تقريبا في ستوكهولم يفخر بأنه ينعم بالثراء.
برأي لولا أكينمَيد ووكستروم، وهي كاتبة متخصصة في شؤون الثقافة السويدية تعيش في ستوكهولم منذ أكثر من عقد في الزمان، يشكل الحديث عن المال موضوعا "غير مريح لأقصى حد في السويد". بل إن التباهي بالثروة أو حتى مناقشة راتب متوسط مع شخص غريب، قد يشكل أحد المحرمات في المجتمع السويدي، لدرجة أن الكثير من أبنائه ربما سيكونون في هذه الحالة أكثر تقبلا وارتياحا "للحديث عن أمور مثل الجنس"، مقارنة باستعدادهم للخوض في نقاش بشأن الدخل المالي.
وتتفق مع هذه الرؤية الصحفية السويدية ستينا دولغرين (28 عاما)، التي عاشت لعدة سنوات في الولايات المتحدة. فبينما يشيد الأمريكيين بمن يفصح عن أنه يجني الكثير من المال ويشجعونه، يراه السويديون غريب الأطوار. ففي السويد "لا يسأل المرء عن الراتب أو عن المال".
ويتفق الكثير من الكُتّاب المتخصصين في مجال الثقافة على أنه يمكن تفسير جانب كبير من هالة الحظر المفروضة على الحديث عن الثروة والدخل في السويد، من خلال مفهوم ثقافي عميق الجذور يسود في ما يُعرف بدول شمال الكرة الأرضية، ويُطلق عليه اسم "يانته لوغين". ويشجع هذا المفهوم المرء على ألا يفكر أبدا في أنه أفضل من غيره.
وتقول أكينمَيد ووكستروم - التي تناولت ذلك المفهوم في أحد كتبها - إنه يشكل "قاعدة اجتماعية غير معلنة هنا في السويد وفي الكثير من دول الشمال الأوروبي. الأمر كله يتعلق بألا يكون المرء مبهرجا على نحو مفرط، وألا يتباهى دون ضرورة، وهو وسيلة لإبقاء الجميع - على الأغلب - متساويين، لتبديد مصادر الضغط والتوتر في المجتمع".
واستمد مفهوم "يانته لوغين" - الذي يعني بالسويدية "قانون يانته" - اسمه من مدينة تحترم القوانين وتحمل الاسم نفسه ظهرت في رواية للكاتب النرويجي الدنماركي أكسيل ساندموس عام 1933. لكن الدكتور ستيفن تروتر، وهو أكاديمي اسكتلندي نرويجي أعد مؤلفات عن هذا الموضوع خلال عمله في جامعة غلاسكو الأسكتلندية، يقول إن الروح التي يعبر عنها ذلك المفهوم موجودة في دول الشمال - خاصة في أريافها - منذ قرون.
ويعتبر تروتر أن "يانته لوغين" يمثل "آلية للضبط الاجتماعي، فهو لا يتعلق بالثروة وحدها، وإنما بألا تتظاهر بأنك تعلم ما لا تعرفه في الواقع، أو تتصرف على نحو يفوق وضعك وإمكانياتك".
ويضيف تروتر: "لن يشعر الناس في السويد بالدهشة إذا تحدثت عن كوخك في الغابة، أو عن أن لديك نظام تدفئة تحت أرضية بيتك. فهي أمور شائعة في دول الشمال، ولدى الكثيرين هنا منزل ثانٍ. لكنك غالبا ستتعرض للسخرية قليلا إذا قلت إنك ستنفق القدر نفسه من المال (الذي كرسته لشراء الكوخ أو لتثبيت نظام التدفئة) لاقتناء سيارتين من إنتاج شركة لامبورجيني".
وتقول أكينمَيد ووكستروم إنه بينما تكافح السويد للإبقاء على صورتها في العالم، كدولة تسودها ديمقراطية اجتماعية ولا توجد فيها فروق طبقية؛ فإن الكثير من السويديين لا يزالون يحرصون على أن يحيطوا أنفسهم بأُناس يماثلونهم في مستوى الدخل.
ويعني ذلك - برأي هذه الكاتبة - أن القواعد التي ينطوي عليها مفهوم "يانته لوغين"، يمكن أن تتبدل وتتغير بحسب المستوى الاقتصادي والاجتماعي لمن يحيطون بالإنسان، فالتباهي والتفاخر - مثلا - قد يكونان مقبوليْن بشكل أكبر، إذا حدثا وسط أشخاص ذوي خلفيات متشابهة.
وتضيف: "يشعر الأثرياء براحة أكبر وهم يجلسون خلف الأبواب المغلقة بصحبة من يماثلونهم في الوضع الاقتصادي والاجتماعي. فبوسعهم في هذه الحالة الحديث عما يمتلكونه من منازل صيفية أو سيارات، مع أي شخص آخر ينتمي لمستواهم نفسه".
ويتفق أندرياس كينسن (33 عاما) مع فكرة وجود ارتباط بين كيفية تطبيق مفهوم "يانته لوغين" والسياق الذي يجري فيه ذلك. إذ قال الشاب - الذي التقيناه في حي أوسترمالم خلال جولته على المتاجر الراقية هناك كما يفعل في عصر كل يوم - إنه لن يتردد في أن يخبر أصدقاءه بالرحلات التي يقوم بها إلى الخارج، ولن يحجم عن التفاخر بذلك على حسابيْه على إنستغرام أو فيسبوك، لكنه لن يفعل ذلك بالتأكيد إذا كان يتحدث مع غريب قابله للتو.
لكن مفهوم "يانته لوغين" بات يتعرض الآن لانتقادات متزايدة، من جانب عدد متنامٍ من الشبان السويديين الناجحين، الذين يطالبون بأن يتحدث أبناء مجتمعهم بشكل أكثر وضوحا، عن أمور مثل تحقيق النجاح ومراكمة الثروات.
من بين هؤلاء، نيكول فالشاني (22 عاما) التي بدأت منذ أن كانت مراهقة في كسب أموال مقابل التدوين على شبكة الإنترنت، وقد أصبحت الآن إحدى الشخصيات الشهيرة المؤثرة على الشبكة العنكبوتية، بعدد متابعين يبلغ 354 ألفا تقريبا على موقع إنستغرام.
فحينما التقينا هذه الفتاة، خلال جلسة تصوير كانت ترتدي فيها مجوهرات شبيهة بتلك التي ترتديها العروس في حفل زفافها، لم يرف لها جفن عندما سُئلت عن المقابل الذي تحصل عليه للمشاركة في الحملات الدعائية، وردت بالقول "نحو 20 ألف دولار في الحملة الدعائية الواحدة". وتنفق فالشاني أموالها في الأغلب، على السفر للخارج واقتناء حقائب غالية الثمن، كما سبق لها شراء شقة في وسط المدينة، وهي لم تتجاوز العشرين من العمر.
Comments
Post a Comment